يحيي بن حمزة العلوي اليمني
181
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
القانون النحوي ، وتمتنع الزيادة عليه ، وإن لم يحصل فقد زال قانون النحو ، ولا فائدة فيه لأنه خارج ، فإذن لا وجه لدخول الزيادة والنقصان في النحو كما لخصناه ، وعلى هذا يكون تشبيه النحو بالملح ليس كما اعتقده ، وإنما هو من جهة الإصلاح كما أشرنا إليه ، فتقرر بما حققناه أن التشبيه قد يكون من جهة ويظن أنه من جهة أخرى ، وعند هذا يقع الغلط ، وهكذا الحال في قوله عليه السلام : « المؤمن كالسنبلة ، يعوج أحيانا ويقوم أخرى » فجهة التشبيه هو أنه أراد أن المؤمن يواقع الذنب فيتوب منه ، ويسترجع مرة بعد أخرى ، والكافر كالأرزة ، يعنى أنه إذا هفا في الذنب لم يتذكر ولم يسترجع ، فهو كالأرزة ، إذا انجعفت لم تقم أبدا ، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يتوب إلا عند الموت بحيث لا يقوم ، ولا تنفعه التوبة ( كالأرزة ) إذا انجعفت لا يرجى لها استقامة بحال فما خالف هذه الجهات في التشبيه يكون خطأ بلا مرية . الحكم الثاني هو أن الأمر الذي يقع به التشبيه منقسم إلى ما يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر ، وإلى ما يتعذر ذلك فيه ، فمثال الأول قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] فإن شئت جعلت التشبيه مطلق الحمار في الغباوة والجهل والبلادة وسقوط النفوس عن كريم الخصال ، وشريف الفعال ، وهذه حالة اليهود ، وإن شئت جعلته مركبا ، وهو أنه ليس الغرض إفراد الحمار بالتشبيه ، ولكن الغرض تشبيه حالهم في كونهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها حمل مثلها في امتثال أوامرها ونواهيها ، كمثل الحمار في حمله للأسفار ، فمثلوا في السخف بحال الحمار الحامل فوق ظهره ، جعل مثلا لما كلفوه من الأحكام الشرعية و « أسفارا » جعل مثلا لنفاسة المحمول ، وعدم انتفاع الحامل به ، فصار حاصل الأمر أنهم مشبهون بالحمار الحامل فوق ظهره كتبا لا يدرى حالها ، ولا ينتفع بها ، ومن هذا قول بشار : وكأن أجرام السماء لوامعا * درر نثرن على بساط أزرق فإن شئت جعلته من المفرد فقلت : كأن النجوم في ضوئها درر ، وكأن السماء في زرقتها بساط أزرق ، فهذا مقول على انفراده ، وإن شئت جعلته من باب المركب فقلت : لم يكن